عبد الوهاب بن علي السبكي
265
طبقات الشافعية الكبرى
المتنعمين بشهواتهم الذين قيل فيهم « ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر » فهذه المطالب الفاسدة هي التي استولت على قلوب الخلق فسخرها للشيطان وجعلها ضحكة له فعليه وعلى كل مستمر في عداوة نفسه أن يتعلم علاج هذا المرض الذي حل بالقلوب فعلاج مرض القلب أهم من علاج مرض الأبدان ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم وله دواءان أحدهما ملازمة ذكر الموت وطول التأمل فيه مع الاعتبار بخاتمة الملوك وأرباب الدنيا أنهم كيف جمعوا كثيرا وبنوا قصورا وفرحوا بالدنيا بطرا وغرورا فصارت قصورهم قبورا وأصبح جمعهم هباء منثورا « وكان أمر الله قدرا مقدورا » « أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون » فقصورهم وأملاكهم ومساكنهم صوامت ناطقة تشهد بلسان حالها على غرور عمالها فانظر الآن في جميعهم « هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا » الدواء الثاني تدبر كتاب الله تعالى ففيه شفاء ورحمة للعالمين وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بملازمة هذين الواعظين فقال ( تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا والصامت الموت والناطق القرآن )